السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
169
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الذين وجد فيهم معنى الإنسانية ، وهو ملاك درك الحق وتمييزه من الباطل . وربما كان دالا على نوع من الخسة وسقوط الحال ، وذلك إذا كان الأمر الذي يتكلم فيه مما يحتاج إلى اعتبار شيء من الفضائل الانسانية التي اعتبرت زائدة على أصل معنى النوع كقوله وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( الروم / 30 ) وكقولك : لا تثق بمواعيد الناس ، ولا تستظهر بسوادهم نظرا منك إلى أن الوثوق والاستظهار يجب أن يتعلقا بالفضلاء من الانسان ذوي ملكة الوفاء بالعهد والثبات على العزيمة لا على من ليس له إلا مجرد صدق اسم الانسانية ، وربما لم يفد شيئا من مدح أو ذم إذا تعلق الغرض بما لا يزيد على أصل معنى الإنسانية كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ( الحجرات / 13 ) . ولعل قوله : « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » أخذ فيه لفظ الناس اعتبارا بسواد الأفراد الذي فيه المؤمن والمنافق والذي في قلبه مرض ، وقد اختلطوا من دون تمايز ، فإذا خيف خيف من عامته ، وربما أشعر به قول « إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » فإن الجملة في مقام التعليل لقوله « وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » وقد تقدم أيضا أن الآية نزلت بعد الهجرة وظهور شوكة الاسلام ، وكان السواد الأعظم من الناس مسلمين بحسب الظاهر وإن كان فيهم المنافقون وغيرهم . فالمراد بالقوم الكافرين قوم هم في الناس مذكوري النعت ممحوي الاسم وعد اللّه سبحانه أن يبطل كيدهم ويعصم رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم من شرهم . والظاهر أيضا أن يكون المراد بالكفر الكفر بآية من آيات اللّه وهو الحكم المراد بقوله « ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » ، كما في قوله في آية الحج : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ( آل عمران / 97 ) ، وأما الكفر بمعنى الاستكبار عن أصل الشهادتين فإنه مما لا يناسب مورد الآية البتة إلا على القول بكون المراد بقوله « أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ » مجموع رسالات الدين ، وقد عرفت عدم استقامته .